محمد أحمد خلف الله

88

الفن القصصي في القرآن الكريم

بإلقاء هذه الأخبار على الكهنة وكان الكهنة يدّعون الاطّلاع على الغيب ومعرفة الأسرار . يجري القرآن على هذا المذهب الأدبي في محاولته هدم عقيدة المشركين السابقة وقد كانت تعتبر العقبة الأولى في سبيل الدعوة الإسلامية لما فيها من إتاحة الفرصة للمشركين بأن يدعو أن محمدا من الكهّان وأن الذي يطلعه على الغيب هم الشياطين وليس وحي السماء . حارب القرآن هذه الفكرة وحاربها تدريجيا وبأساليب مختلفة . فالجن كانت تقعد مقاعد للسمع ولكن الكواكب أصبحت رجوما والشهب أصبحت رواصد وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً « 1 » . والجن تخطف الخطفة حتى بعد رسالة محمد عليه السلام وحتى بعد أن حدثت المعجزة ومنعت الجن من الاستراق . إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ * وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ * لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ * دُحُوراً وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ * إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ « 2 » . ذلك أسلوب محاربة الفكرة يوم أن كان سلطانها قويا وإيمانهم بها عنيفا ويوم أن كان القرآن في أول عهده بهم ولكن حينما تقدّم الزمن وحينما استقر الأمر في البيئة واشتهر أمر المعجزة وأخذ القوم يصدقون بالرجم انتقل القرآن إلى أسلوب آخر في محاربة الفكرة فادّعى أن الجن ما كانت تعلم الغيب وأنها لو كانت تعلمه ما لبثت في العذاب بعد أن فارق سليمان عليه السلام الحياة فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ « 3 » . وأسلوب المحاورة أولا وآخرا يوقع بعض المفسّرين في إشكالات خاصة حينما يأخذون المسائل مأخذ الجد ويحاولون البحث عن الأجرام السماوية وهل كانت موجودة قبل محمد أو لم تكن ؟ وإذا كانت فكيف جعلت رجوما ؟ وهكذا إلى أن يضيقوا هم

--> ( 1 ) سورة الجن ، الآية 9 . ( 2 ) سورة الصافات ، الآيات 6 - 10 . ( 3 ) سورة سبأ ، الآية 14 .